فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
قوله: {إِذْ قَالَ} يجوزُ أَنْ يكونَ منصوبًا بإضمار اذكُرْ أو تَعَلَّمْ مقدَّرًا مدلولًا عليه ب {عَليم} أو ب {حَليم}. وفيه ضعفٌ لتقيُّدِ الصفةِ بهذا الظرفِ.
قوله: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} قرأ الكوفيون بتنوين {شهاب} على أنَّ قَبَسًا بدلٌ مِنْ {شهاب} أو صفةً له؛ لأنه بمعنى مَقْبوس كالقَبَضِ والنَّقَضِ. والباقون بالإِضافةِ على البيانِ؛ لأن الشهابَ يكونُ قَبَسًا وغيرَه. والشِّهابُ: الشُّعلةُ. والقَبَس: القطعةُ منها، تكونُ في عُوْدٍ وغيرِ عُوْد. و{أَوْ} على بابِها من التنويع. والطاء في {تَصْطَلُون} بدلٌ مِنْ تاءِ الافتعال لأنه مِنْ صَلِيَ بالنار.
قوله: {نُودِيَ} في القائمِ مَقامَ الفاعلِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ موسى، وهو الظاهرُ. وفي {أَنْ} حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها: أنَّها المُفَسِّرَةُ لتقدُّمِ ما هو بمعنى القول.
والثاني: أنها الناصبةُ للمضارعِ، ولكنْ وُصِلَتْ هنا بالماضي. وتقدَّم تحقيقُ ذلك، وذلك على إسقاطِ الخافضِ أي: نُوْدي موسى بأَنْ بُورِك.
الثالث: أنها المخففةُ، واسمُها ضميرُ الشأنِ، و{بُوْرِك} خبرُها، ولم يَحْتَجْ هنا إلى فاصلٍ؛ لأنه دعاءٌ، وقد تقدَّم نحوُه في النور في قوله: {أَنْ غَضِب} [النور: 9] في قراءته فعلًا ماضيًا.
قال الزمخشري: فإن قلتَ: هل يجوزُ أن تكونَ المخففةَ من الثقيلةِ، والتقدير: بأنَّه بُورك. والضميرُ ضميرُ الشأنِ والقصةِ؟ قلت: لا لأنه لابد مِنْ قد. فإنْ قلتَ: فعلى إضمارِها؟ قلت: لا يَصِحُّ لأنها علامةٌ ولا تُحْذَفُ. انتهى. فمنع أَنْ تكونَ مخففةً لِما ذًُكِر، وهذا بناءً منه على أَنَّ {بُوْرِكَ} خبرٌ لا دعاءٌ. أمَّا إذا قُلْنا: إنه دعاءٌ كما تقدَّم في النورِ فلا حاجةَ إلى الفاصلِ كما تقدَّم. وقد تقدَّم فيه استشكالٌ: وهو أنَّ الطلبَ لا يَقَعُ خبرًا في هذا البابِ فكيف وَقَعَ هذا خبرًا ل {أَنْ} المخففةِ وهو دُعاءٌ؟
الثاني: من الأوجهِ الأُوَلِ: أنَّ القائمَ مَقامَ الفاعلِ نفسُ {أَنْ بُوْرِكَ} على حَذْفِ حرفِ الجرِّ أي: بأَنْ بُوْرِكَ. و{أَنْ} حينئذٍ: إمَّا ناصبةٌ في الأصلِ، وإمَّا مخففةٌ.
الثالث: أنه ضميرُ المصدرِ المفهومِ من الفعلِ أي: نُودي النداءُ، ثم فُسِّر بما بعدَه. ومثلُه {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35].
قوله: {مَن فِي النار} {مَنْ} قائمٌ مقامَ الفاعلِ ل {بُوْرك}. وبارَكَ يتعدى بنفسِه، ولذلك بُني للمفعولِ. يقال: بارَكَكَ اللهُ، وبارَكَ عليكَ، وبارَكَ فيك، وبارك لكَ، وقال الشاعر:
فَبُوْرِكْتَ مَوْلُودًا وبُوْرِكْتَ ناشِئًا ** وبُوْرِكْتَ عند الشِّيْب إذ أَنْتَ أَشْيَبُ

وقال عبدُ الله بن الزبير:
فبُوْرِكَ في بَنِيْكَ وفي بَنيهمْ ** إذا ذُكِروا ونحن لك الفِداءُ

وقال آخر:
بُوْرِك الميِّتُ الغرِيبُ كما بُوْ ** رِكَ نَضْحُ الرُّمانِّ والزيتونِ

والمرادُ ب {مَنْ} إمَّا الباري تعالى، وهو على حَذْفٍ مضافٍ أي: مَنْ قُدْرَتُه وسُلْطانه في النار. وقيل: المرادُ به موسى والملائكةُ، وكذلك بمَنْ حولَها. وقيل: المرادُ ب {مَنْ} غيرُ العقلاءِ وهو النورُ والأمكنةُ التي حولَها.
قوله: {وَسُبْحَانَ الله} فيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه من تتمَّةِ النداءِ أي: نُوْدِي بالبركةِ وتَنْزِيْهِ ربِّ العزَّةِ. أي: نُودي بمجموعِ الأمرَيْنِ. الثاني: أنه من كلامِ اللهِ تعالى مخاطِبًا لنبيِّنا محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ، وهو على هذا اعتراضُ بين أثناءِ القصةِ. الثالث: أنَّ معناه: وبُوْرِك مَنْ سَبَّح اللهَ. يعني أنه حَذَفَ {مَنْ} وصلَتها وأبقى معمولَ الصلةِ إذ التقدير: بُوْرِكَ مَنْ في النار ومَنْ حَوْلَها، ومَنْ قال: سبحان الله و{سُبْحانَ} في الحقيقةِ ليس معمولًا ل {قال} بل لفعلٍ مِنْ لفظِه، وذلك الفعلُ هو المنصوبُ بالقول.
{يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)}.
قوله: {إِنَّهُ أَنَا الله} في اسمِ إنَّ وجهان، أظهرهما: أنه ضميرُ الشأن. و{أَنَا الله} مبتدأ وخبرُه، و{العزيز الحكيم} صفتان لله. والثاني: أنه ضميرٌ راجعٌ إلى ما دلَّ عليه ما قبله، يعني: أنَّ مُكَلِّمَكَ أنا، و{الله} بيانٌ ل {أنا} واللهُ العزيزُ الحكيمُ صفتان للبيانِ. قاله الزمخشري. قال الشيخ: وإذا حُذِفَ الفاعلُ وبُنِيَ الفعلُ للمفعولِ فلا يجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ على ذلك المحذوفِ، إذ قد غُيِّرَ الفعلُ عن بنائِه له. وعُزِمَ على أَنْ لا يكونَ مُحَدَّثًا عنه، فَعَوْدُ الضميرِ إليه مِمَّا يُنافي ذلك؛ إذ يصيرُ مُعْتَنَىً به.
قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّه قد يُلْتَفَتُ إليه. وقد تقدَّم ذلك في قوله في البقرة {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} [الآية: 178] ثم قال: {وأداءٌ إليه} قيل: أي: الذي عفا، وهو وليُّ الدمِ، على ما تقدَّم تحريره. ولَئِنْ سُلِّم ذلك فالزمخشريُّ لم يَقُلْ: إنه عائدٌ على ذلك الفاعلِ، إنما قال: راجعٌ إلى ما دَلَّ عليهِ ما قبلَه، يعني مِن السِّياقِ.
وقال أبو البقاء: ويجوزُ أَنْ يكونَ ضميرَ {رَبّ} أي: إنَّ الرَّبَّ أنا الله، فيكون {أنا} فَصْلًا، أو توكيدًا، أو خبرًا إنَّ، واللهُ بدلٌ منه.
قوله: {وَأَلْقِ} عطفٌ على ما قبلَه من الجملةِ الاسميةِ الخبريةِ. وقد تقدَّم أنَّ سيبويهِ لا يَشْترط تناسُبَ الجملِ، وأنه يُجيز جاء زيدٌ ومَنْ أبوك وتقدَّمت أدلَّتُه في أول البقرة. وقال الزمخشري: فإنْ قلتَ علامَ عَطَفَ قولَه: {وَأَلْقِ عَصَاكَ}؟ قلت: على قوله: {بُوْرِكَ} لأنَّ المعنى: نُوْدِيَ أَنْ بُوْرِكَ. وقيل له: أَلْقِ عَصاك. والدليلُ على ذلك قولُه: {وأَنْ أَلْقِ عَصاك} بعد قوله: {يا موسى إنَّه أنا اللهُ} على تكريرِ حرفِ التفسيرِ كما تقول: كتْبْتُ إليه أَنْ حُجَّ واعْتَمِرْ وإنْ شِئْتَ: أَنْ حُجَّ وأَنِ اعْتَمِرْ. قال: الشيخ: وقولُه: إنه معطوفٌ على {بُوْرِكَ} منافٍ لتقديرِه وقيل له: {أَلْقِ عصاك} لأَنَّ هذه جملةٌ معطوفةٌ على {بُوْرِكَ} وليس جُزْؤها الذي هو معمول وقيل معطوفًا على {بُوْرِكَ}، وإنما احتاج إلى تقديرِ وقيل له: أَلْقِ لتكونَ جملةً خبريةً مناسِبَةً للجملةِ الخبريةِ التي التي عُطِفَتْ عليها. كأنه يرى في العطفِ تناسُبَ الجملِ المتعاطفةِ. والصحيحُ أنَّه لا يُشْتَرَطُ ذلك ثم ذكرَ مذهبَ سيبويه.
قوله: {تَهْتَزُّ} جملةٌ حاليةٌ مِنْ هاء تَراها لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٌ.
قوله: {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} يجوزُ أَنْ تكونَ حالًا ثانيةً، وأَنْ تكونَ حالًا من ضمير {تَهْتَزُّ} فتكونَ حالًا متداخلةً. وقرأ الحسن والزهري وعمرو بن عبيد {جَأَنٌّ} بهمزةٍ مكانَ الألفِ، وتقدَّم تقريرُ هذا في آخرِ الفاتحةِ عند {وَلاَ الضآلين} [الفاتحة: 7].
قوله: {وَلَمْ يُعَقِّبْ} يجوز أن يكونَ عطفًا على {ولى} وأَنْ يكونَ حالًا أخرى. والمعنى: لم يَرْجِعْ على عَقِبِه. كقوله:
فما عَقَّبوا إذ قيلَ هل مَنْ مُعَقِّبٍ ** ولا نَزَلُوا يومَ الكَريهةِ مَنْزِلا

قوله: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ} فيه وجهان:
أحدُهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ المرسلين مَعْصُومون من المعاصي. وهذا هو الظاهرُ الصحيحُ.
والثاني: أنه متصلٌ. ولأهلِ التفسيرِ فيه عباراتٌ ليس هذا موضعَها. وعن الفراء: أنَّه متصلٌ. لكن من جملةٍ محذوفةٍ، تقديرُه: وإنما يَخاف غيرُهم إلاَّ مَنْ ظَلَمَ. وردَّه النحاس: بأنه لو جاز هذا لجازَ لا أضرب القوم إلاَّ زيدًا أي: وإنما أَضْرِبُ غيرَهم إلاَّ زيدًا، وهذا ضدُّ البيانِ والمجيءُ بما لا يُعْرَفُ معناه.
وقَدَّره الزمخشري ب {لكن}. وهي علامةٌ على أنه منقطعٌ، وذكر كلامًا طويلًا. فعلى الانقطاعِ يكونُ منصوبًا فقط على لغةِ الحجاز. وعلى لغةِ تميمٍ يجوزُ فيه النَصبُ والرفعُ على البدلِ من الفاعلِ قبلَه. وأمَّا على الاتصالِ فيجوزُ فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيارُ البدلَ؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجَبٍ.
وقرأ أبو جعفر وزيد بن أسلم {ألا} بفتح الهمزة وتخفيفِ اللامِ جعلاها حرفَ تنبيهٍ. و{مَنْ} شرطيةٌ، وجوابُها {فَإِنِّي غَفُورٌ}.
والعامَّةٌ على تنوينِ {حُسْنًا} ومحمد بن عيسى الأصبهاني غيرَ منوَّن، جعله فُعْلى مصدرًا كرُجْعَى فمنعَها الصرفَ لألفِ التأنيثِ. وابنُ مقسم بضم الحاء والسين منونًا. ومجاهد وأبو حيوة ورُوِيَتْ عن أبي عمروٍ بفَتْحِهما. وقد تقدَّم تحقيقُ القراءتين في البقرة. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال في ملاك التأويل:

قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النمل: 10- 11)، وفي سورة القصص: {أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} (القصص: 31)، للسائل أن يسأل عن القول لموسى، عليه السلام، عقب قوله عندما ولّلى مدبرًا لما رأى من فعل الله سبحانه في عصاه حين ألقاها من اهتزازها كأنها جان، فنودي تأنيسًا وإعلامًا بما الأمر عليه، ولا شك أن ذلك في مقام واحد وحال ابتداء أمره ورسالته، فالمعنى واحد، فما وجه اختلاف العبارة؟ فأقول جوابًا لهذا السؤال- وأسأل الله توفيه وعصمته- إنه قد تقدم في سورةطه أن الوارد من هذا القصص إنما أخبرنا به على المعنى، وإنما خوطبنا باللسان العربي، وخاطب موسى باللسان العبراني، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} (إبراهيم: 4)، وجل كلام ربنا عن الحرف والصوت وعن شبه كلام البشر، وبسط هذا في مظانه، وإذا تقرر أنا إنما خوطبنا بلساننا، وأن الاختلاف والتفاوت فيما بين الألسنة معلوم، والمعاني لا تخلتف، فالمراد من الوارد في السورتين أن موسى، عليه السلام، أُمن من خوفه الذي لحقه، وأُعلم أنه من الآمنين، وأن الآمنين لديه سبحانه هم المرسلون، ومن اهتدى بهديهم ممن سبقت له الحسنى، ومن لحق بهم ممن ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء وسبقت له من الله الحسنى، فهؤلاء هم الآمنون لدينه سبحانه بما سبق لهم، ولا يجب عليه سبحانه إلا ما أوجبه على نفسه، فهذا الحاصل من المقول لموسى، عليه السلام، في السورتين من غير اختلاف في شيء من معناه، وهو المراد بقوله سبحانه: {وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} (القصص: 31)، وبقوله: {لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} (النمل: 10- 11)، والاستثناء منقطع، وليس المراد إلا من ظلم من الرسل، ولا يكون من الاستثناء المتصل كما قاله بعض المحرفين من ذوي الضلال، فإن الرسل، عليهم السلام، معصومون من الكفر مطلقًا باتفاق من أهل القبلة إلا ما قالته الشوذية ومن قال بقولهم من المارقين ممن لا عبرة به، والظلم هنا هو الكفر فما دون، وقد عصم الله الرسل ومن شاء عصمته من ذلك ممن سواهم، ثم إن من كان ظالمًا لنفسه بالكفر أو بما دون الكفر ثم بدل حسنًا بعد سوء فإنه راج ما وعد الله سبحانه، ومن مات على ظلمه ولم يكن كفرًا فهو في المشيئة، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: 48)، فما أفهمت آية النمل من هذا فهو المراد بآية القصص من قوله: {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ}، ولم يقع في آية النمل ذكر غير المرسلين ممن لم يظلم نفسه إيجازًا، لأنه من المعلوم أنه إذا كان حال الظالم لنفسه المبدل حسنًا بعد سوء على ما ذكرنا من الرجاء فحال من لم يظلم نفسه أولى، فسمع موسى، عليه السلام، من كلام ربه ما حصل به المعنى المقصود، ثم اختلف التعبير عندنا عن ذلك والمعنى واحد، فلا اختلاف.
فإن قيل: فما وجه اختصاص آية النمل بما ورد فيها وآية القصص بما ورد فيها؟
قلت: هذا سؤال لازم على شرطنا، والجواب عنه- إن شاء الله- أن سورة النمل لما ورد فيها قصة بلقيس وقومها، وعبادتهم الشمس حسب ما ورد في السورة في قوله: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (النمل: 24)، ثم هداها الله بسليمان، عليه السلام، حتى قالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (النمل: 44)، ناسب هذا قوله تعالى في تأنيس موسى عليه السلام،: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ} (النمل: 11)، ولما ورد في آخر سورة القصص: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} (القصص: 83)، وهي آي عامة في كل متصف بالإيمان متمسك بما في الآية، وقد أشارت إلى أمنهم لأنهم ممن سبقت لهم الحسنى، وقد نص الكتاب على أنهم آمنون لديه سبحانه حين قال: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} (الأنبياء: 101)، ثم قال: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} (الأنبياء: 103) فهم آمنون، فناسب قوله سبحانه: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} (القصص: 83)، ما خصت به هذه السورة من قوله في قصة موسى، عليه السلام: {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ}.
وجواب ثان، وهو أن الآمنين لما تقدم بيان أنهم المرسلون ومن ظلم من غيرهم {ثم} بدل حسنًا بسوء، وحصل في طي هذا الكلام وضمنه أن من لم يظلم نفسه من غير المسلمين فلا توقف أنه من الآمنين، فلما تحصل بيان الآمنين وقعت الإالة في آية القصص على ذلك، ولم يحتج إلى تفصيل أحوالهم اكتفاء بما تقدم فقيل: {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ}، وهذا الوجه الثاني كاف في حصول التناسب، والله أعلم. اهـ.